ابن أبي الحديد
100
شرح نهج البلاغة
أشتد ( 1 ) إلى الكثيب ، فأصعد فأنظر ، ثم أرجع إليه فأمرضه ، فبينا أنا وهو على هذه الحال إذ أنا برجال على ركابهم ( 2 ) كأنهم الرخم ( 3 ) تخب بهم رواحلهم ، فأسرعوا إلي حتى وقفوا علي وقالوا : يا أمة الله ، ما لك ؟ فقلت : امرؤ من المسلمين يموت ، تكفنونه ؟ قالوا : ومن هو ؟ قلت : أبو ذر ، قالوا : صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : نعم ، ففدوه بآبائهم وأمهاتهم ، وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه ، فقال لهم : أبشروا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم : " ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين " ، وليس من أولئك النفر إلا وقد هلك في قرية وجماعة ، والله ما كذبت ولا كذبت ، ولو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي لم أكفن إلا في ثوب لي أو لها ، وإني أنشدكم الله ألا يكفنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا ! قالت : وليس في أولئك النفر أحد إلا وقد قارف بعض ما قال ، إلا فتى من الأنصار قال له : أنا أكفنك يا عم في ردائي هذا ، وفي ثوبين معي في عيبتي من غزل أمي ، فقال أبو ذر : أنت تكفنني ، فمات فكفنه الأنصاري وغسله النفر الذين حضروه وقاموا عليه ودفنوه ، في نفر كلهم يمان ( 4 ) . روى أبو عمر بن عبد البر قبل أن يروي هذا الحديث في أول باب جندب : كان النفر الذين حضروا موت أبي ذر بالربذة مصادفة جماعة ، منهم حجر بن الأدبر ، ومالك بن الحارث الأشتر ( 5 ) . قلت : حجر بن الأدبر هو حجر بن عدي الذي قتله معاوية ، وهو من أعلام الشيعة وعظمائها ، وأما الأشتر فهو أشهر في الشيعة من أبى الهذيل في المعتزلة .
--> ( 1 ) أشتد : أعدو . ( 2 ) الاستيعاب : " رحالهم " . ( 3 ) الرخم : جمع رخمة ، الطائر المعروف . ( 4 ) الاستيعاب : 83 . ( 5 ) الاستيعاب : " وفتى من الأنصار دعتهم امرأته إليه فشهدوا موته ، وغمضوا عينيه ، وغسلوه وكفنوه في ثياب الأنصاري ، في خبر عجيب حسن فيه طول " .